صفّورية






مدينة مناسبة للهيروديين:

لا يوجد ذِكر في الكتاب المقدّس بأن يسوع علّم في صفّورية، لكننا نعلم بأنه ترعرع في قرية الناصرة المجاورة. من بلدته الأم، لا بدّ أن يسوع كان يرى المدينة الهائلة، التي غطّت ما يقارب خمسمئة أكرٍ وكانت موطنًا لحوالي ثلاثة آلاف شخص.

بعد فترة قصيرة من موت هيرودس في العام الرابع قبل الميلاد، سافر أبناؤه إلى روما ليحقّقوا رغبة أبيهم، والتي قسّمت إسرائيل بينهم. طلب كلّ واحد من الإمبراطور أن يملك السيطرة الكليّة على الأرض.

عندما كان أبناء هيرودس في روما، ثارت مجموعة من اليهود. غير راغبين أن يملك ابن هيرودس الصارم، أركيلاوس، السيطرة على إسرائيل، أرسلوا وفدًا إلى روما ليطلب من الإمبراطور أن يعطي السيطرة لشخص آخر.

لكن اختار الإمبراطور أن يحترم رغبة هيرودس العظيم. عندما عاد أركيلاوس إلى اليهودية، دمّر الأشخاص والعائلات الذين ثاروا ضدّه.

ابن آخر من أبناء هيرودس، أنتيباس، أسّس مملكة يعمّها السلام في منطقة الجليل. بعد فترة قصيرة لرجوعه من روما، قرّر أن يؤسّس عاصمته الإدارية في صفّورية. بُنيت المدينة الراقية بشوارع حديثة، وقصر بديع، وصالة للألعاب الرياضية، ومسرح، وأرضيات من الفسيفساء الجميل.

حَجّار الناصرة:

عندما عاد والدا يسوع من مصر، تركوا فكرة العيش في بيت لحم لأنها كانت تقع في منطقة هيرودس أركيلاوس. بدلاً من ذلك، عاشوا في الناصرة، بلدة جليلية تبعد ميلاً أو اثنين عن صفّورية.

كانت الناصرة مجتمعًا ريفيًا يضم حوالي ثلاثمئة شخص، على الأغلب فإن جميعهم كانوا ينتمون لذات العائلة الممتدّة. لكنّها لم تكنْ مأوىً آمنًا. عندما نما، استطاع يسوع أن يرى إنشاءات صفّورية المجاورة، وطريقًا تجاريّا صاخبًا -فيا ماريس- الذي كان يمرّ من المنطقة المجاورة.

يبدو أن يسوع كان يذهب إلى مدرسة الهيكل في طفولته. لكنه عندما كبر، تعلّم التجارة من والده الذي ربّاه، والذي كان حَجّارًا (مرقس 3:6). الكلمة اليونانية لـ"حَجّار" تُترجم إلى "نجّار" في كثير من الكتب المقدّسة الإنجليزية، لكن المعنى الحقيقي للكلمة هو "حِرفيّ بناء".

لأن المباني في ذلك الوقت كانت تُشيَّد باستخدام الحجارة والصخور، فهذا يعني أن احتمال عمل يسوع كحَجّار أقوى من احتمال عمله كنجّار. كان على الأرجح يمضي ساعات يساعد أبيه في تشكيل وقصّ الحجارة.

من المحتمل أيضًا أن يسوع قد ساعد في تشييد صفّورية، التي بُنيت في ذات الوقت الذي كان يسكن فيه في الناصرة.

خدمة لذوي النفوذ:

كمعلّم يهودي، كان يسوع عادةً يتفاعل مع اليهود الورعين. وقد كَهَن للمرضى والفقراء. لكن يسوع لم يحدّد رسالته للمحتاجين والمتدينين فقط؛ لكنه تفاعل أيضًا مع أشخاص من مدن مثل صفّورية- أشخاص أثرياء وذوو نفوذ.

شارك يسوع وجبات الطعام وأجذاب الحديث مع قادة مؤثّرين وكان بعضهم يدعمونه ماديًّا أيضًا. يوَنا، زوجة وزير مالية هيرودس أنتيباس، استخدمت مالها الخاص لدعم خدمة يسوع في التعليم (لوقا 3:8).

مع أن يسوع كان دائمًا يتكلّم ضدّ الجشع والكسب غير الشريف للثروة، إلاّ أنه لم يُهِن مَن كانوا يكسبون ثروتهم بشرف. بالأحرى، يبدو بأنه كان يقدّر الأشخاص الذين استخدموا ثروتهم كوسيلة لمملكة الله.

كما أن يسوع قد صادق القادة السياسيين في إسرائيل القرن الأول. مع أن بعض القادة الدينيين سخروا من قرار يسوع بالتفاعل مع جباة الضرائب –مسؤولون إداريون كانوا عادةً يمارسون التأثير السياسي- لم يكن خائفًا من التكلّم معهم.

عندما تفاعل مع طبقات المجتمع العليا، شارك يسوع نفس الرسالة التي أعطاها لليهود المتدينين والفلاّحين. أدرك بأن كلاًّ من الأغنياء والفقراء يحتاجون حريّة الله الروحية، وشجّع كلا المجموعتين ليعيشوا حياة في خدمة الله.

التكلّم بلغة الثقافة:

لا نعرف إذا زار يسوع مدنًا علمانيةً مثل صفّورية. لكننا نعرف بأنه فهم ثقافتهم الهيلينية. كان يعرف الخبرات اليومية وزوايا الأشخاص الذين عاشوا في عالم الأوثان. واستخدم الصور الكلامية والقصص التي يسهل فهمها.

على سبيل المثال، ردّد يسوع استخدام تعبير "الرياء"، كلمة تصف الممثّلين. في إحدى الحالات، شجّع الناسَ على تجنّب الصلاة والصوم كالممثّلين، الذين يضعون وجه الورع المبالغ فيه منتظرين إطراء الناس من حولهم (متّى 5:6، 16).

كما أن يسوع قد قال أمثالاً عن الملوك، وولائم الأعراس، والقادة –كلّها صور مألوفة لشعب دنيوي. كما أنه استخدم صورًا من التاريخ السياسيٍ ليُبلّغ حقائق عن مملكة الله.

عندما قال مثل الوزنات (الأمناء)، تكلّم يسوع عن رجل "ذهب إلى كورة بعيدة ليأخذ لنفسه مُلكًا" وأهل مدينته الذين قالوا: "لا نريد أن يملك هذا علينا" (لوقا 12:19، 14).



لا بدّ بأن هذا المثل قد استحضر صورة حيّة لهيرودس أركيلاوس والثورات اليهودية لأذهان المستمعين.

باستخدام صور من الثقافة الدنيوية، لم ينفّر يسوع غير المتدينين أو يعزل نفسه عن عالم الأوثان. بدلاً من ذلك، تكلّم لغة ثقافتهم وأثّر بشدّة في عالمه.

طريق للنفوذ:

سواء كان غنيًا أو فقيرًا، كان يسوع ينظر إلى قلب كل شخص ويرى حاجته لله. اليوم، يجد كثير من المسيحيين صعوبة باتّباع مثاله.

عادةً ما ننظر إلى السياسيين ومديري الأعمال، ظانّين بأن لا أمل في إصلاح فسادهم. أو نستهين بحيوات الأثرياء، جازمين بأنهم لا يعملون بجهد أو يواجهون المشاكل التي يواجهها الأشخاص العاديون.

كنتيجة لذلك، تحصر كثير من كنائسنا تركيزها على الحرمان، ناسين أن غِنانا ونفوذنا يحتاجان محبتنا وصلواتنا أيضًا. في مدارسنا، يتوق الطلاب المسيحيون للشهرة بدلاً من مشاركة محبة الله مع المشهورين.

عندما نتعلّم لغة الثقافة، يجب أن نتذكّر أنّ طريق الله للقداسة ليس مغلقًا أمام الأغنياء أو ذوي النفوذ. فهو متحمّس لاستخدام تأثيرهم وقوّتهم لمجده.

التأثير على عالمنا:

لم يَخَف يسوع من استخدام الصور الدنيوية لإيصال حقيقة الله. في أيامه، شكّلت صورٌ من المسرح والسياسات القديمة سبيلاً له ليصل إلى الأشخاص الذين لم يفهموا لغة التديّن.

ثقافة اليوم تشارك صورًا مختلفة. الأحداث الحالية، التلفاز، السياسة، الاقتصاد –هذه المفاهيم التي يفهمها عالمنا. عندما يشهد المسيحيون لأصدقائنا وجيراننا الدنيويين، علينا أن نستند على هذه الخبرات اليومية لنعلّم رسالة الخلاص بطريقة فعّالة.

يُجرَّب بعض المسيحيين بأن يتخلّوا عن مجتمعاتهم المتديّنة، متجاهلين الاتّجاهات الدنيوية أيضًا. لكنهم ينفّرون غير المؤمنين ويخسرون فرصة مشاركة رسالة الله بطرق مألوفة ثقافيًا. الانعزال عن الثقافة يفشل في جلب التغيير الثقافي.

دون إجراء أي تعديل على رسالة الله، يمكننا أن نوصل حقيقته بطرق تتناغم مع ثقافتنا الدنيوية. وإذا تبعنا مثال يسوع بالتكلّم بلغة الثقافة، يمكننا أيضًا أن نُحدِثَ تأثيرًا خالدًا في العالم.

هل تستخدم كلمات وأفكارًا تفهمها ثقافتك عندما توصل رسالة يسوع؟

ميديا

فيسبوك


جميع الحقوق محفوظة